الآلوسي
14
تفسير الآلوسي
أن دلالة النظم الكريم على إرادة وهم جاهلون ليست بواضحة . وقال الكرماني : التدارك التتابع ، والمراد بالعلم هنا الحكم والقول ؛ والمعنى بل تتابع منهم القول والحكم في الآخرة وكثر منهم الخوض فيها ، فنفاها بعضهم . وشك فيها بعضهم واستبعدها بعضهم وفيه ما فيه . وقيل : إن في الآخرة متعلق - بادّارك - وإليه ذهب الزجاج . والطبرسي ، واقتضته بعض الآثار المروية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، والمعنى على هذا عند بعضهم بل استحكم في الآخرة علمهم بما جهلوه في الدنيا حيث رأوا ذلك عياناً ، وكان الظاهر يدّارك بصيغة الاستقبال إلا أنه عبر بصيغة الماضي لتحقق الوقوع . وقيل : التدارك عليه من تداركت أمر فلان إذا تلافيته ، ومفعوله هنا محذوف أي بل تدارك في الآخرة علمهم ما جهلوه في الدنيا أي تلافاه ، وحاصل المعنى بل علموا ذلك في الآخرة حين لم ينفعهم العلم ، والتعبير بصيغة الماضي على ما علمت ، ولا يخفى أن في وجه ترتيب الإضرابات الثلاث حسب ما في " النظم الكريم " على هذين الوجهين خفاءاً فتدبر . وقرأ أبيّ أم - تدارك - على الأصل وجعل - أم - بدل * ( بل ) * ، وقرأ سليمان بن يسار بل أدرك بنقل حركة الهمزة إلى اللام وشد الدال بناءاً على وزنه افتعل ، فأدغم الدال وهي فاء الكلمة في التاء بعد قلبها دالاً فصار فيه قلب الثاني للأول كما في قولهم : أثرد وأصله اثترد من الثرد ، والهمزة المحذوفة المنقول حركتها إلى اللام هي همزة الاستفهام أدخلت على ألف الوصل فانحذفت ألف الوصل ثم انحذفت هي وألقيت حركتها على لام بل ، وقرأ أبو رجاء . والأعرج . وشيبة . وطلحة . وتوبة العنبري كذلك إلا أنهم كسروا لام * ( بل ) * ، وروي ذلك عن ابن عياش . وعاصم . والأعمش . وقرأ ابن كثير . وأبو عمرو . وأبو جعفر . وأهل مكة - بل أدرك - على وزن أفعل بمعنى تفاعل ، ورويت عن أبي بكر عن عاصم ، وقرأ عبد الله في رواية . وابن عباس في رواية أبي حيوة . وغيره عنه . والحسن . وقتادة . وابن محيصن - بل آدّرك - بمدة بعد همزة الاستفهام ، وأصله أأدرك فقلبت الثانية ألفاً تخفيفاً كراهة الجمع بين همزتين ، وأنكر أبو بكر بن أبي العلاء هذه الرواية ، وقال أبو حاتم : لا يجوز الاستفهام بعد * ( بل ) * لأن بل للإيجاب ، والاستفهام في هذا الموضع إنكار بمعنى لم يكن كما في قوله تعالى : * ( أشهدوا خلقهم ) * أي لم يشهدوا خلقهم فلا يصح وقوعهما معاً للتنافي الذي بين الإيجاب والإنكار اه . وقد أجاز بعض المتأخرين - كما قال أبو حيان - الاستفهام بعد * ( بل ) * وشبهه بقول القائل : أخبزاً أكلت ، بل أماءاً شربت على ترك الكلام الأول والأخذ في الثاني ، وقرأ مجاهد - أم أدرك - جعل أم بدل * ( بل ) * وأدرك على وزن أفعل ، وقرأ ابن عباس في رواية أيضاً * ( بل أدارك ) * بهمزة داخلة على * ( ادّارك ) * فتسقط همزة الوصل المجتلبة لأجل الإدغام والنطق بالساكن ، وقرأ ابن مسعود أيضاً بل أأدرك بهمزتين همزة الاستفهام وهمزة أفعل ، وقرأ الحسن أيضاً . والأعرج - بل أدرك - بهمزة ، وإدغام فاء الكلمة وهي الدال في فاء افتعل بعد صيرورة التاء دالاً ، وقرأ ورش في رواية - بل ادّرك - بحذف همزة أدرك ، ونقل حركتها إلى اللام ، وقرأ ابن عباس أيضاً - بلى أدرك - بحرف الإيجاب الذي يوجب به المستفهم المنفي ، وقرأ - بل آأدّارك - بألف بين الهمزتين ، فهذه عدة قراآت فما فيه منها استفهام صريح أو مضمن فهو إنكار ونفي ، وما فيه بلى فقد قال فيه أبو حاتم : إن كان بلى جواباً لكلام تقدم جاز أن يستأنف بعده كأن قوماً أنكروا ما تقدم من القدرة